الموقع الإخباري للمؤسسة الإقتصادية و الإجتماعية للمتقاعدين العسكريين و المحاربين القدماء

آخــر الأخـبــار
خطر الشائعات !!
تـاريــخ الإضـافــة 01/07/2018

  بقلم د. محمد إبراهيم الشقيرات -  لوحظ في الآونة الأخيرة انتشار الشائعات في مجتمعنا الأردني بطريقة غير مسبوقة ، حيث شملت العديد من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية ، حتى أصبحت وكأنها عادةٌ اعتاد عليها المجتمع الأردني ، لدرجة أنها أصبحت الشغل الشاغل لعامة الناس نظراً لما تحتويهِ من أخبارٍ مثيرة على المستوى الشعبي !، وساهم في تغلغلها في مجتمعنا ما طرأ من تغير في السنوات الأخيرة على عالمنا المعولم ، فقد أصبحت وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي في متناول يد الجميع ، لا بل فقد سيطرت على ساعات طويلة من يومنا ، لدرجةٍ نسينا معها القيام بواجباتنا اليومية على أكمل وجه ، سواء ما يتعلق منها بالعمل ، أو ما يتعلق بالأسرة ، أو حتى ما يتعلق منها بالواجبات الاجتماعية ، حتى غدونا رهائن أو أسرى في كينونتها ! خاصةً " الفيسبوك والواتسب والتويتر" وغيرها !، الأمر الذي زاد الشائعات قوةً في الانتشار وسرعةً لم نتخيلها من قبل ، وغدت في عقول بعض الناس وكأنها حقائقاً لا يقبلها الشك!، رغم أنها في كثير من الأحيان واضحةً للعيان وضوح الشمس بأنها مجرد "شائعة" ، خاصةً عندما تكون موجهةً ضد شخص لا يختلف اثنان بأنها موجهةً ضده من أشخاص آخرين لمآربٍ خاصة ، يتم فبركتها بطريقة جذّابة للقلوب والنفوس كي تحقق الهدف الذي وُجدت من أجله!

 

وللتوضيح : فأني في مقالي هذا لست بصدد الدفاع عن أحد أُبتلي بإشاعةٍ ما ، بقدرِ ما يهمني طرح الموضوع من زاوية أخرى هدفها توضيح خطر الشائعة على المجتمع ككل ، فأنا اعتقد جازماً كما قالوا في الأمثال: " ليس كل ما يلمعُ ذهباً وليس كل ما يقالُ حقيقة" ومن باب اطلاعي على سوداوية بعض أصابع الاتهامات التي وجهت إلى عدد من الأبرياء، فأني أرى ومن وجهة نظري أن تلك الاتهامات قد لا تصيب الشخص المقصود ذاته بقدر ما تصيب نظاماً اجتماعياً أخلاقيا بنياناه بأنفسنا ،ولم يُفرض علينا من خارج قلادتنا التي تقلدَها الآباءُ والأجداد حين علمونا أن الفضيلة تكمن في البعد عن اتهامات الناس جُزافاً وترديد الخبر غير اليقين ، وقد نهانا الله سبحانه وتعالى عن ذلك في قوله عزّ وجّل ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ( سورة الحجرات الآية 6 ) ، فإذا كانت النميمة تُوقع بين بعض الناس العداوة والبغضاء وتوغر الصدور وتعكر صفو العلاقات بين الناس فإن الشائعات ضمن أُطر التقدم التكنولوجي في وسائل الاتصال تذهب في أهدافها إلى أبعد من ذلك حيث تستهدف مجتمع برمته فتضُّره وتستبيح هدوءه وتهدر وقته .
وللتعرف على معنى الشائعة من وجهة نظري : فهي لا تعدو سوى أخباراً زائفةً يطرحها مصدرٌ مجهول بقصد تحقيق هدفٍ ما ، تنتشر بطريقة مثيرة لفضول الناس دون التأكد من صحتها ومن صحة مصدرها ، ويزيدها انتشاراً انعدام المعلومات المتعلقةُ بها بالنسبة لعامة الناس ، ووجود البيئة الخصبة التي تساهم في انتشارها ، إضافةً إلى توفر الوسائل اللازمة إلى سرعة انتشارها ، وتُسمى بالعلم العسكري الحرب النفسية لكنّ وجه الاختلاف في أن الحرب النفسية تكون موجهة ضد العدو بقصد إحباط معنوياته وتحطيم قواه وصولاً إلى تحقيق النصر عليه ، والشائعات ليست وليدة العصر الذي نعيش، بل هي قديمةٌ قِدَمِ التاريخ ومن أمثلتها في التاريخ الإسلامي حادثة الإفك التي استهدف أصحابها المنافقين السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها والتي برأها الله سبحانه وتعالى بقوله:﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾(النور:11)
وتعد الشائعات سلاحٌ خطير يفتك بمجتمعاتنا العربية ومن ضمنها مجتمعنا الأردني ، يفكك أواصرها، ويزيد من عدم ثقةِ الناس ببعضهم البعض ، كما يُوجِدُ شرخاً بين الأفراد ، وبين المجتمع من جهةٍ وحكومته من جهة أخرى ،وبالتالي تصل سلبياتها إلى كل مكونات المجتمع فتعبث في قواعده ومرتكزاتهِ الأساسية حتى يصبح مجتمعاً مهيئاً لتصديق كل ما يقال، يردد الأخبار كيفما تُنشَر بل يزيدها رتوشاً ! دون تمحيص أو تفنيد، على العكس من المجتمعات الواعية المدركة التي تلتفت إلى الشائعات، ولا تمر عليها خطط العابثين الرامية إلى تحطيم روابطها المتماسكة فلا تؤثر على مسيرتها، ولا تزيدها الشائعات إلا قوةً في الشفافية والوضوح والتصريح والدحض على كافة المستويات ، كما تُعدّ الشائعة من أحد الأسباب التي تؤدي بالفرد إلى اللجوء للمقارنات بكافة أشكالها ، حيث يُخضِعُ الفرد نفسه إلى مقارنةِ حالهِ بحالِ آخرين أكثر نجاحاً أو تميّزاً ، الأمرُ الذي يُولّد لديه قناعة بأنه يعيش في مجتمعٍ تغيبُ عنه مبادئ العدل والمساواة حسب اعتقاده، مما يُولّد الإحباط لديه ويجعله يعيش في بوتقةٍ سوداوية تنبثق منها الكثير من الإفرازات السلبية التي تنعكس سلباً على مسيرة المجتمع ككل.
وفي هذا المجال فانه من المسلّمات بأن الإنسان الذي يتولى صُنع الشائعات وترويج الأكاذيب وعكس الحقائق عن حقيقتها بطريقةٍ ممتعة للاستماع وملفتةٍ للانتباه بقصدٍ أو غير قصد ! لا يقدّر مسؤولية الكلمة في الدنيا والآخرة ، فالحرية التي نعيشها في أُردّنِ الخير لا تعني الخوض في الباطل ، بل تستوجب منا جميعاً التمحيص والتأكد من أي ظاهرة فسادٍ فردية كانت أو جماعية تسيء للوطن والشعب ، ثم سلوك الطرق التي من شأنها معاقبة المخالفين والعابثين ، أي بمعنى من يملك الوثائق التي تدين شخص ما بقضيةِ ما تمسُ المجتمع أو الدولة أو تمس المال العام فلماذا يختبئ وراء حجاب ؟ ولماذا لا يكشف عنها النقاب؟ فهناك من كان جريئاً وفعل ذلك وكان موضع احترام الجميع ، لكنّ من لا يملك الحقائق فعليه أن لا يسير مع تيار الشائعات دون تأكد لأنه مسؤول أمام الله عز وجل عما يقول وعما يفعل، قال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ (سورة ق : الآية 18 )، كما أنه من الواجب العودة لأصحاب الاختصاص في موضوع الشائعة التي تسبب خطراً على المجتمع ككل تكريماً لقول الله تعالى : وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (النساء: الآية 83)

نتفق جميعاً على أن الوضع الاقتصادي المتردي لشريحة واسعة من مجتمعنا الأردني ، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة ، إضافة إلى غياب الاستراتيجيات الناجعة من قبل الحكومات المتعاقبة لمعالجتها وتدفق ملايين اللاجئين السوريين نتيجة للازمة السورية التي ما زالت تراوح مكانها، وانغلاق الحدود مع الشقيقتين سوريا والعراق ، وشُح المساعدات الخارجية عما كانت عليه في السابق ، إضافة إلى "غياب الشراكة الحقيقية في تحمل المسؤولية ما بين الحكومة ومجلس النواب ، وعدم تكاتف الجهود في الظروف الاقتصادية الحرجة" التي تمر بها البلاد كما نوهَ عن ذلك جلالة الملك عبدا لله الثاني بن الحسين حفظه الله ،إضافة إلى عدم سرعة رد الفعل من قبل الحكومة في مواجهة الشائعات وعدم شفافيتها ووضوحها في معالجة الاختلالات الفكرية الناتجة عن الشائعات لدى المجتمع ،كل ذلك ساهم في انتشار الشائعات ورواجها في مجتمعنا الأردني بين حينٍ وآخر ، خاصةً تلك المتعلقة بالفساد الإداري أو الفساد المالي ، والتي وجدت ضآلتها وسط بيئة خصبة قابلةً للروَاج ، فغياب التفاعل الحكومي في مقاومة بعض الشائعات التي من شأنها التأثير على الروح المعنوية لدى الطيف الواسع من الشعب هو عامل مساعد بلا شك على ازدياد فاعليتها ووصولها إلى درجات متقدمة نحو الهدف الذي صُنعت من اجله ، هذا الأمر يدعو بكل وضوح إلى صياغة إستراتيجية جديدة لمواجهة الشائعات! تشمل دراسة الشائعات من حيث أسبابها، أهدافها ، وسائلها ،أسباب انتشارها ، خطرها على المجتمع وطرق معالجة آثارها ، والتفاعل السريع معها على المستوى الحكومي بالتفنيد الموضوعي الشفّاف المُقنِع ، وسردِ الوقائع المحيطة بدائرة الإشاعة ذاتها بكل شفافية ووضوح حتى يتمكن مستقبلوها من نبذها ، أو على الأقل الكف عن ترديدها ، أما الصمت أمام الشائعات فهو لا يزيدها إلا اندفاعاً نحو تحقيق أهدافها التي يصبوا صانعها إلى تحقيقها .
كل ذلك لا ينفي حقيقة وجود اختلالات حقيقية في طريقة النظر إلى الأمن المجتمعي الشامل الذي يشمل كافة طبقات المجتمع الأردني ،وقد أشار جلالة الملك إلى ذلك في لقائه مع رؤوساء الكتل النيابية حيث قال "بكل صراحة المسؤولية تقع على الجميع، وهناك من يستفيد على حساب الطبقة الوسطى" فالواقع الذي نعيش أننا ندرك أن البعض مهتمين في مصالحهم الخاصة بعيداً عن المصلحة العامة التي هي في واقع الأمر مصلحة للجميع ، مما يترك العنان رخواً أمام المتصيدين الذين يتعمدون تعظيم السلبيات والتقليل من شأن الانجازات ! وفتح المجال أمامهم لنشر ما يروقَ لهم ولمصالحهم الشخصية من أخبار متناسين خطر الشائعات على المجتمع ككل .
ومن وحي الشائعات المسمومة تلك التي ظهرت أساليبَ صُنّاعِها حديثاً والتي نوهت عنها مديرية الأمن العام والكامنةُ في انتشار العديد من الصفحات المشبوهة على مواقع التواصل الاجتماعي ، والتي يتعمد مجهولين إنشائها لنشر إشاعات وأخبارٍ كاذبة ، يسعونَ من خلالها لتضليل الرأي العام ، مستخدمين لتلك الغاية أسماء لصفحاتٍ تُوهم القارئ بأنها مواقع إخبارية مرخصة .
خلاصة القول : إن من أخطار الشائعات التي لا يستهان بها أنها تُدمّر المجتمع وتعبث في وحدته وسلامة صحته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، كما تعمل على تقويضهُ، وتثير الفتن وتنشر الفوضى والاضطراب بين أفراده وتجعل من مكوناته عناصراً قابلة للاختراق المعنوي ، وتُقلق الأبرياء وتصيبهم برصاصاتها الطائشة وتجعل منهم عناوين للأخبار الزائفة عبر العديد من وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي ينعكس سلباً على شخصياتهم ومراكزهم ووظائفهم وعائلاتهم ونفسياتهم ، كما أنها تؤثر على كافة طبقات المجتمع وتنزع منهم الإخاء والتعاون، والتعاطف والصفاء ، والتراحم والتواد، واللُحمَةِ والتكاتف، مثلما جَعلت على مستوى الإقليم من الحروب وما رافقها من ويلات وحسرات وتهديم للبنيان وتدمير لمقدرات الشعوب قضايا مبررة تحت عناوين عدة.
"حمى الله الأردن والقائد والشعب"
الباحث السياسي والاستراتيجي : العميد الركن المتقاعد د. محمد إبراهيم الشقيرات

 

الاسم:
  
البريد الالكتروني
 
الـتـعـلـيــق